القاضي التنوخي
256
الفرج بعد الشدة
من أصدقاء أخي ، من آخذ منه ما أريد . فكساني الأعرابي ، وكسا المرأة والصبيّة ، ووطّأ لي راحلة « 8 » ، وحمل معنا من الماء والزّاد كفايتنا ، وركب هو راحلة أخرى ، وكان أكثر من وصل معنا [ 93 ر ] إلى ذلك الموضع ، قد تأتّى له مثل ما تأتّى لي ، فصرنا رفقة صالحة العدد . فلمّا كان بعد أيّام ، شارفنا دمشق مع طلوع الشمس ، فإذا بأهلها قد خرجوا يستقبلوننا ، وكلّ من له صديق أو معرفة ، يسأل عنه ، وقد بلغهم خبر القطع ، فما شعرت إلّا بإنسان يسأل عنّي ، بكنيتي ونسبي . فقلت : ها أنا ذا . فعدل إليّ ، وقال : أنت أبو محمّد الأزرق الأنباري ؟ فقلت : نعم . فقال : إليّ ، وأخذ بخطام « 9 » راحلتي ، وتبعني الأعرابي براحلته ، حتّى دخلنا مع الرّجل دمشق . فجاء بنا الرّجل ، إلى دار حسنة سريّة « 10 » ، تدلّ على نعمة حسنة ، فأنزلنا ، ولم أشكّ أنّه صديق لأخي . فنزلت ، وأنزلت الأعرابي معي ، وأخذت جمالنا ، وأدخلنا الحمّام [ 121 م ] وألبست خلعة « 11 » نظيفة ، وفعل بالمرأة والصبيّة مثل ذلك ، وأقمت عنده يومين في خفض عيش ، لا أسأله عن شيء ، ولا يسألني .
--> ( 8 ) الراحلة من الإبل : ما كان منها قويا على الحمل والسفر . ( 9 ) الخطم : الأنف ، والخطام ، بكسر الخاء ، والجمع خطم : كلّ ما وضع في أنف البعير ليقاد به . ( 10 ) السريّ : الجيّد من كلّ شيء . ( 11 ) الخلعة ، بكسر الخاء : الثوب الذي يعطى منحة ، وفي أيّامنا ، كان من المتعارف في بغداد ، إذا عمّر الإنسان دارا ، فإنّ عليه أن يمنح البنّاء الذي قام بالعمل خلعة ، وتكون عادة من الثياب الغالية ، سواء كان الثوب مخيطا أو غير مخيط وقد درست هذه العادة الآن .